مدرسة الإحياء والبعث
المقصود بهذا الاسم أنه كما تعود الروح لجسد هامد ، أو ترد له الحياة بعد أن فارقته أو كادت ، فيبعث إلي الدنيا من جديد ، بقلب نابض وحس واع كان الحال بالنسبة للشعر العربي ، فقد استسلم إلي حالة من الجمود ، أخذ علي إثرها ينزل في مدارج الضعف والانحلال ، وذلك منذ وقوع بغداد سنة 1258 م ودمشق سنة 1260 م في أيدي الغزاة من التتر علي يد (( هولاكو )) الذي قضي علي الخلافة العباسية وخرب بغداد ، وحرق المكتبات ، وهدم دور العلم ، وألقي بألوف المخطوطات التي تضم عيون الثقافة العربية وتحوي تراثها في النهر ليعبره بجيوشه .
ومع أن مصر قد أوقفت هذا الغزو ، وحمت بقية البلاد العربية من ذلك الإعصار المهلك فهزمت
(( هولاكو )) في موقعة (( عين جالوت )) عام ( 1260 ) إلا أن تيمور لنك جاء بعد قرن ونصف لينتقم بغزو دمشق وبغداد الحاضرتين الثقافيتين العربيتين ( 1386 – 1400 م ) .
وطبيعي بعد بعد هذه الأحداث أن تضعف الحياة الثقافية والأدبية ، وبخاصة الشعر ، في البلاد العربية . وزاد الضعف الثقافي والأدبي بتولي المماليك مقاليد الحكم في مصر والشام ، ثم وصل إلي منتهاه إبان حكم الأتراك العثمانيين ( 1516 – 1798 ) .
بلغ الشعر غاية الضعف حتي فقد الحياة ، وانتهي إلي سكرات الموت خلال القرون الثلاثة المتعاقبة من حكمهم ، ولم يعد هناك من يتذوقه لسطحية موضوعاته وتفاهتها ، وضعف أسلوبه وركاكته ، وجهل القارئين له ، ولم يبق للغة العربية جلالها وبهاؤها علي ألسنة الناس وفي مسامعهم . وقد عم الجهل وشاع الفقر ، والاستبداد ، وظهر الخوف والظلم ، وحرمت مصر والبلاد العربية من مصادر ثقافتها وتعليمها ، بغلق المدارس ونقل الكتب ، وترحيل الخبرات من العلماء والمهندسين ، ورجال الفنون ، وأصحاب الحرف إلي تركيا , ليقيموا للأتراك حضارة كانوا يفتقدونها في دولتهم الناشئة .
وفوق ذلك ألغي ديوان الإنشاء ، وفرضت اللغة التركية لغة رسمية بغية تتريك العالم العربي ، حينئذ لم يجد الشعراء من يتذوق شعرهم أو يشجعهم علي الإجادة فيه ، فانصرفوا عن التجديد والابتكار ، واتجهوا إلي التقليد والتكرار ، ونزلوا بالشعر إلي الحضيض لجهلهم من ناحية ، وفقدان القدرة والمثل والمعلم من ناحية أخري . ومن ثم صار الشعر – كما سبق – كالجسم الهامد أو الجسد المحتضر في حاجة إلي من يمنحه القدرة علي الحس والنبض وينقله من حالة الانهيار والجمود والاحتضار ، إلي البعث والإحياء .
وفي عام 1798 م كسر سور العزلة عن مصر بقدوم الحملة الفرنسية فتنبهت الأذهان إلي عالم جديد ، واتجه محمد علي والي مصر إلي أوربا يرسل إليها البعثات ، ويستقدم المعلمين ، ويفتح المدارس وينشئ المصانع ، ويعد الجيوش ، ليتوسع في سلطانه ، فأخذت رياح التغيير تهب علي مصر مع أبنائها العائدين من البعثات ،ومع تلاميذ المدارس التي أنشئت ، ومن خلال العلوم والمعارف التي استوردها الوالي الطموح ، وبدأ الاهتمام بالتراث العربي ، وأخذت المطابع في نشره ، فبعث بعد غيبة طويلة . وظهر أثر ذلك كله علي بعض الشعراء التقليديين ، من أمثال : الشيخ علي أبو النصر ، ومحمود صفوت الساعاتي ، وإسماعيل الخشاب
التسمية
يطلق عليها [ الإحيائية – الكلاسيكية – الإتباعية ] وسميت بذلك ؛ لأنها أحيت الشعر تشبيها للشعر الضعيف الذي بدأ ينهض بالجسم الهامد فنهض به أتباع هذه المدرسة ، وبدأت تدب فيه الحياة ، والإتباعية لأنها تتبع القديم وكان البـارودي يجمع بين الأصالة والتجديد ، وكـان مقلـدا في تجديده
رائد هذه المدرسة هو [ محمود سامي البـارودي ] [ 1838 – 1904 ] الذي أحس – كغيره - من معاصريه بالوعي بعظمة مصر والتراث العربي في مواجهة العناصر الوافدة الدخيلة ، ورأي أن الشعر الجيد يكمن فيما قبل عصور التخلف والجمود ، تحت وطأة المماليك والعثمانيين فاتجه إلى ذلك التراث العربي .
العوامـل التي ساعدت البارودي على الارتقاء بالشعر
q موهبته الشعرية والفطرية
q اطلاعه على التراث العربي في عصور ازدهار
qالإيمـان بعظمة الأمة ولغتها
q تجاربه العميقة من خلال المعارك الحربية والمنفى
q اتقانه اللغات التركية والفارسية والانجليزية .
لقد كان صنيع البارودي مع الشعر كمن أعاد الحياة لمن سلبها ، ورد النبض لمن فقده ، حيث ارتقى بالشعر وصعد به من مكان منحدر إلى أعلاه .
أولا : في الأسلوب :
1- أعـاد للشعر فصاحته
2– ابتعد عن تكلف البديع بل اتجه إلى السهولة
3- ارتقى بالكلمة والعبارة من الضعف والابتذال إلى صحة التركيب وقوته ، والعناية بالأسلوب وجماله
4- انتقل من التعقيد والغموض إلى السهولة والوضوح .
يقول البارودي :
أحييتُ أنفاسَ القريض بمنطقي v وصرعت فرسان العجاج بلهذمي
ثانيا : في الموضوع :
1 - نوع الموضوعات وابتعد عن التكرار والجدب والسطحية .
2- عبرعن القضايا القومية وقضايا الإنسانية
3 – انتقل من الأمور التافهة إلى الأمور العامة فكان يصف الطبيعة والحروب .
فهو يشكو زمنه ومن حوله من المنافقين :
أنا من زمــان غادر ومعاشر v يتلونون تلون الحربـــاء
ثالثا : في الخيال :
1- انتقل بالخيال من الضيق والسطحية إلى التحليق في سماوات الشعر وأجنحة التصوير
2- جعل الاستعارات والكنايات والتشبيهات لوحات فنية مثل قوله :
تعرض لي يومـا فصورت حسنه v ببلورتي عيني في صفحة القلب
رابعا: في العاطفة :
انتقل بالعاطفة من الجفاف والبرودة إلى الحيوية ووصدق المشاعر
خامسا :الموسيقى:
1- 1-حافظ على الوزن والقافية
2- اهتم بالموسيقى ذات الرنين الأخاذ
موقف البارودي من الشعراء السابقين
استعاد البارودي جزالة شعره من التراث ، محافظا على قالبه وبعض خياله ،و أضاف عليه من حياته وروح عصره . وقلد البارودي القدماء ولكن تقليده جاء نابعا من روح المنافسة ويتمثل تقليده في :
1- تقليده للشعراء : اتجه للمحاكاة والمعارضة للشعراء القدماء في مختلف العصور وانصرف عن محاكاة الشعرء في العصر المملوكي والعثماني وذلك لضعف الشعر في تلك الفترتين .
واعتمد البارودي في محاكاته للشعراء على :
C نقاء ذهنه
C قراءته وحفظه
C تتلمذه على يد حسين المرصفى.
[ قال البارودي محاكيا المتنبي ]
فلا تثق بوداد قبل معرفة v فكالكحل أشبه في العينين بالكحل
قال المتنبي :
لأن حلمك حلم لا تكلفه v ليس التكحل في العينين بالكحل
لقد كان البارودي رائدا لمدرسة الإحياء والبعث التي سيطرت على الذوق قرابة قرن من الزمان وأهم أنصارها :
في مصر : إسماعيل صبري ، وعائشة التيمورية ، وأحمد شوقي ، وحافظ إبراهيم ؟
في العراق : محمد رضا الشبيني ، وعبد المحسن الكاظمي ، والزهاوي والرصافي .
في سوريا : شكيب أرسلان . وأعقبهم [ على الجارم – وعزيز أباظة – ومحمود غنيم ]
الخصائص الفنية لمدرسة الإحياء والبعث
1- مجاراة القدماء في تقاليد القصيدة ، بانتقالها من غرض إلى غرض ، والبدء بالغزل وتعدد الأغراض .
2- قيام القصيدة على وحدة البيت بحيث يكون البيت وحده أو مع بضعة أبيات مستقلا عن سائر أبيات القصيدة
3- العناية بالأسلوب وبلاغته ، وروعة التركيب ، وجلال الصياغة الشعرية وبهائها ، وانتقاء اللفظ واختياره
4- غلبة الجانب البياني على الجانب الفكري والوجداني .
5- محاكاة القدماء في موضوعاتهم [ مدح – غزل – رثاء – فخر – هجاء ]
6- اقتباس المعاني والأخيلة والصور والموسيقا
7- خطاب الصاحبين على عادة القدماء
التجديد عند شعراء البعث
1- الانفتاح على الثقافة الغربية عن طريق العائدين من الخارج أو قراءتهم للأدب المترجم .
2- النضال الوطني الذي عمق الوعي بتراث الأجداد وعظمة ماضيهم العريق .
3- الإيمان بفكرة الجامعة الإسلامية التي نادى بها الإمام محمد عبده والأفغاني .
4- موقفهم من الأحداث التي طرأت على الأمة ومن أهمها موقفهم من القصر الحاكم وجوانب الإصلاح .
5- الموقف من الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
6- حرية الصحافة
7- وحدة الأمة
مظاهر التجديد عندهم :
1- التعبير عن التجارب الشعرية الذاتية الصادقة
2- ظهور أغراض جديدة [ الشعر السياسي – الوطني ....]
3- معالجة مشكلات العصر و التعبير عن القضايا القومية والاجتماعية [ المرأة – الصحافة]
4- رسم الصور الكلية
5- التعبير عن الغيـر ( الجماهير )
6- الجمع بين اتجاهين [ الأخذ من التراث – والالتفات إلى ثقافة العصر ]
7- سهولة الأسلوب بسبب الارتباط بالصحافة .
أحمد شوقي وجيل التطوير
الأسباب التي دعت أحمد شوقي إلى تطوير الشعر
1- بعثته إلى فـرنسا ودرس القانون وشاهد المسارح الأوروبية وشعراء الغرب
2- الاطلاع على الآداب الفرنسية
3- ثقافته التركية وتأثره بالنقاد والجمهور والحركة الوطنية .
4-معايشته لشعراء الغرب [ فيكتور هوجو ، ولامارتين ، ودي موسيه .... ] فتأثر بهم وعدل عن المدح إلى التاريخ في قصيدة " كبار الحوادث في وادي النيل "
أهم ملامح التطور على يد شوقي
1- الابتعاد عن المديح
2- الاتجاه إلى التاريخ الإسلامي كما قصيدة [كبار الحوادث في وادي النيل]
3- التعبير عن المخترعات الحديثة [ القطار – السيارة – والطائرة ]
أَعُــقابٌ في عنان الجو لاحَ v أم سحابٌ فـرَّ من هوج الريـاحِ
4- ريادته للشعر المسرحي والقصصي [ على بك الكبير – قمبيز – مصرع كليوباترا – عنترة ]
مآخذات النقاد لشعراء مدرسة البعث
1- الاهتمام بشعر المناسبات
2- عدم اهتمامهم بالوحدة العضوية
3- اهتمامهم بالصياغة اللفظية على حساب المعنى والوجدان
4- بدء القصائد بالغزل
خصائص هذه المدرسة :
1- مجاراة القدماء في تقاليد القصيدة ، بانتقالها من غرض إلي آخر ، والافتتاح بالنسيب وما يمر به الشاعر ، مما يجعل القصيدة متنوعة الأغراض .
2- قيام القصيدة علي وحدة البيت ، بحيث يكون البيت وحده أو مع بضعة أبيات مستقلا عن سائر أبيات القصيدة .
3- العناية بالأسلوب وبلاغته ، وروعة التركيب ، وجلال الصياغة الشعرية وبهائها ، وانتقاء اللفظ واختياره ، مما جعل الجانب البياني يتغلب أحيانا علي المضمون الفكري والمعني الشعري .
4- متابعة القدماء في موضوعاتهم : من مدح ورثاء ، وغزل ، وفخر .
5- اقتباس المعاني ، والأخيلة ، والصور ، والموسيقا ، من فحول الشعراء القدامي ، من ذكر الرسوم والأطلال والخيام ، والكثبان ، والرعيان ، والقبائل ، واستعارة ألفاظ من الشعر القديم : كعيون المها ، وملاعب الآرام ، وغيرها .
ومن ذلك : مناجاة الصاحب ، كما قال البارودي محاكيا القدماء :
خليلي هل طال الدجي ؟ أم تقيدت كواكبه ، أم ضل عن نهجه الغد ؟
والحديث عن الظبا في قول شوقي :
روعوه فتولي مغضبا أعلمتم كيف ترتاع الظبا ؟
ومخاطبة شخص آخر في مفتتح القصائد كما يري عند شوقي في افتتاحياته :
قم ناج جلق – قم حي هذي النيرات – قم في فم الدنيا – قم ناد أنقرة – قف ناد أهرام الجلال – قف بالممالك وانظر دولة المال – آذار أقبل قم بنا يا صاح
l]vsm hgYpdhx ,hgfueLhgavrd hgYpdhx